( أيها الموجوعون في أزمنة البرد .. أيها المحزنون في فصول الشقاء .. أيها المقهورون في كل مكان .. صيحوا فأمي موجوعة .. وأنا بلا سلاح يرفع عن صدرها الآهات .. ) لست أعرضها لكم .. لكني أستغفر الله أن كنت وجعها الأول .. لست أرسمها لكم .. لكني أقسم في حضرة الرب ألا أحيي آلامها .. لست أقصها عليكم .. لكني أتوب إلى الله من كل مرة عصرت فيها دمعها .. ألا دعوني لأمي .. . . أمي .. امرأة لم تتخرج من معاهد التمثيل ، لكنها الوحيدة التي أتقنت كبت أوجاعها بفرح مخيف .. أمي .. امرأة لم تشترك في دورات مطولة لترميم زواج موجع ، لكنها الوحيدة التي تحتمل هذا الزواج دون أن تشكو لأحد .. ولن تسمح لقلبها أبدا بأن يشكو لله ما تلاقيه في سبيل أن ننام جميعا - نحن صغارها السبعة - هادئي البال في مساء تنفقه هي لعد كل همومنا السخيفة ، ولرسم جدول أعمالها التي لا تنجز فيه أي شئ لنفسها .. فكل حبة عرق .. تتسلل من مساماتها المطهرة هي خدمة لنا نحن أشقى الناس .. وأكثرهم لها إساءة .. ألا فيا رحمة الله ظلليها .. \ . . يا الله .. لو تعلمون كم النار التي تشتعل في ضلوعي .. وأنا أهذي هنا .. بصخب باكٍ لأن أمي هي أمي التي لا تتغير .. رغم كل رجاءي لها .. بأن تنسلخ عن طيبتها اللامعقولة .. أن تقول لا .. للدنيا .. للعمر .. لأبي .. لنا .. للعالم كله .. أن تتوقف برهة لتلتقط أنفاسها الكريمة .. فلا شئ يستحق .. أن تنسى النوم .. والفرح .. وتفاصيلها الصغيرة .. وأحلامها الجميلة لأجلنا .. وأقسم .. أنني على استعداد .. لأن أقف معها في كل قرار مجنون توشك أن ترتكبه .. لو ترتكبه فقط .. لو تفعله وتريحني .. \ . . روى أحمد في مسنده عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( إذا صلت المرأة خمسها و صامت شهرها ، و حفظت فرجها و أطاعت زوجها ، قيل لها : ادخلي من أي أبواب الجنة شئت (. . . إذن فلتهنأ أمي .. ولتتوسد وسادتها المبللة حزناً .. وهي راضية عن قلبها الموجوع .. ولتسمح لي بأن أقف أمام الله مرة .. وأقول يا رب .. قد صلت .. وصامت .. وصانت .. وأطاعت .. فمن كل أبواب الجنة أدخلها .. من كل أبواب الجنة أدخلها .. . . أيها المكسورون .. موتوا فما الحياة بعد أن تنكسر أمي ألف مرة .. ؟ . . ولو أن الله سألها ذات يوم عن النعيم .. وأعلم أنها لن ترد عليه إلا بكاء .. هذه المبللة دوماً .. بدموع خشيتها منه .. أو شوقها لأخيها العادل .. أو وجعها منا نحن صغارها الأشقياء .. لو أن الله سألها .. لكان في عينيها من الحزن ما يدرأ عنها كل التهم الملصقة بواحدة تقدر أن تنتقي كل فصول النعيم .. ولكان في صوتها المخنوق من الضعف ، ما يدافع عنها أمام الرحمن حتى يجرها جراً إلى أول درجات الجنة ، ثم يكلها إلى الله الذي يعلم كم من الألم ذاقت لنصير نحن ما صرنا إليه .. بل أقل بكثير مما تستحقه هذه المرأة التي لم تفكر قط بنفسها .. مذ قالت للعالمين أنها اختارت أبي زوجاً .. \ . . يا الله .. كم يتعبني التفكير بها .. ينهكني تخيل مواسم الحزن التي قد تأسرها .. أو شتاءات الوحدة التي تقاسيها بصمت .. يذبحني عجزي عن شفاء قلبها المجروح .. ألا كيف لي بشفاء أحلام خيبناها ؟ و أمانٍ وأدناها ؟؟ و خيبات كثيرة قذفنا بها روحها يوم جاءتنا بقلب سليم .. \ . . ترى .. أبعد حزن أمي حزن .. ؟ أبعد كل مرارة الصمت التي تأكل فتاتها مساء ألم أكبر ؟ أ في مشارق الدنيا أو مغاربها من النساء من تشبه أمي ؟؟ من تغفل عن أنين ظهرها وتنسى .. من تتنازل عن نعيم أهلها وتنسى .. من تغفر للرجل أكثر مما تغفر له أمه وتنسى .. من تستوعب كل حاجاتنا الدائمة وتنسى .. من تهب لنا روحها بلا مقابل .. وفرحها بلا مقابل .. ووقتها بلا مقابل .. ثم إذا ضاقت عليها الدنيا .. بكت قليلا .. واستدركت أن مثلها لا تبكي لأنها أم .. وأن وراءها من الأطفال ثمانية .. لا يدرسهم غيرها .. ولا يفك عقدهم سواها .. ولا يستقبل نوبات غضبهم سواها .. فتدس وجهها المحمر بين كفين ضعيفين صغيرين .. وتصيح بصوت مخنوق يخجل من ذاته .. ثم تعصر عينيها لتبوح بكل الدمع مرة واحدة .. وتقول سأكون بخير بعد أن أغسل وجهي .. . . ترى .. كم تحتمل المرأة ؟ وكم ستحتمل ؟؟ ومتى يصلني نبأ انفجار أمي .. لترتاح أخيراً منا .. وتعيش ما بقي لها من عمر في حالة من السلام الذي لن يكون لها قط ما دامت بيننا .. \ . . أوتعلمين ما أشتهيه لك الآن ..؟؟ لو تسمحين يا طاهرة الدمع .. لو تسمحين .. للملمت كل حقائبك .. وهربت بك إلى أمك .. وأوصيتها بك خيراً .. وأرحتك من كل أوجاع هذا البيت الذي لا يفهم أنك روحه .. فيجرحك كل هذا القدر بلا حياء .. وينسى كم هو مدين لك ببقاءه .. يا طاهرة الدمع .. يا أكثر طرائق الحب عفوية .. يا أنت .. في إجهاشتك القاتلة .. وأنت تثيرين بأنينك رغبة عارمة في صدري لخنق كل من يجرؤ على تعذيبك .. في إجهاشك من الحزن ما تضج به السماوات .. ويسخط به الله من فوقنا .. ألا فارضي .. فإن الله شديد العقاب .. ألا فارحمي .. فإن الله لا ينسى ولا ينام .. . . إنني ابنتك الأولى .. وبكرك يا أمي فاسمعيني .. اتركينا على باب الله .. وانطلقي إلى روحك .. أعيديك لنفسك ثم عودي .. رتبي كل تفاصيلك بقدر الوقت الذي تحبين .. رممي قلبك الخمسيني ، ثم عودي إذا شئتي مطهرة من كل أحزانك العميقة .. \ فإنني يا طاهرة الدمع أحبك أكثر مما تحبين نفسك .. وإنني لأجل ذاك أعلم أنك مهلكة روحك في سبيلنا .. ونحن يا أمي لا نستحق ونحن يا أمي لا نستحق 
.
.
إلى الرجل الذي أذاقني لهفة الأم على صغارها ..
و صيرني امرأةً بقلب أمٍ تفعل المستحيل لتسحر الكون كله ..
كي يصبح آمنا ، فلا يتعثر الصغار العائدون من مدارسهم ..
ولا تُخدش قلوبهم المرهفة بنسائم المساء .. ،
هذه السطور القليلة كي يدرك أن يوماً كهذا لا يمكن أن يمر بلا فرح الشموع ..
أو بهجة قلب يحبه بعفوية الطفولة .. \
.
.
في هذا اليوم ..
وأدس له على عجل يخجل من ابتسامته ..
" كل عام وأنت الخير الذي يسكن أيامنا الجميلة به " ..
وهو يعلم ..
يعلم تماماً أني أهمس - في قلبي - سرا ..
( كل عام وأنا أميرتك يا سيدي ) .. ،
وأني في زحام أمانيه التي تتكثف على نوافذ قلبه..
أشتهي لو يكون أقرب
لو يكون أرحم ..
لو يخلع عن كتفيه هذا الغياب الموجع .. ،
ويعود إلى وطن ..
يمد ذراعيه وراءي بغباء الأطفال ..
ليثبت له أن الشوق يبلغ بنا هذا الحد ..
لكنه لن يدرك أبداً كم الألم الذي يسكن مفاصلنا الممتدة لأجل أن يقتنع .. ،
أن مد الذراعين على اتساع ما بين المشرق والمغرب لا يساوي شيئا أمام الأشواق التي تسكننا
في مواسم غيابه ..
.
.
يا سيد الجمل القصيرة التي تبعثرني ..
هذا آخر أعيادك التي أحتفل فيها بنبضك بلا شموع تتراقص أمام عينيك - رغم غيرتي -
لتقص عليك حكاية قلب أدمنك منذ طفولته .. \
.
.
وإذ تطفئ آخر ساعات يوم ميلادك ..
متمنيا حاجة من الله - علّه ذات رحمة يحققها لك بكرمه -
.
.
قل له أن يرحم نداءتنا المتواصلة ..
وكل الضعف الذي يسكن هذه الضلوع ..
فإنه القادر على أن ينتشلنا من بحور الانتظار ..
ليرزقنا من أجمل كرمه ..
ويذيقنا من الفرح أعذبه ..
.
.
يا ذا الغياب الطويل ..
صرت أعتادك .. كهواء لا تتم حياتي إلا به .. \
.
.
كل عام وأنا صغيرتك
** لم أكن أحتاج يوماً كهذا لأدرك ..
كم كان فضل الله عليّ عظيما إذ خبأني في قلبك ..
لكنها لحظة تستحق أن نرسم فيها على جبين أمك قبلة بحجم السماء ..
أن منحتك في قلبها حيزاً لتنمو كأروع قلب يمطر عطفا على كل الأرواح ..
.
.
سيدي البعيد .. ،
نحبك هذا المساء أكثر ..
If I could
I'd protect you from the sadness in your eyes
<<الصفحة الرئيسية








